الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
147
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وذلك يهوّن الصبر عليك فهو من باب وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ [ المائدة : 48 ] ، وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ [ الكهف : 28 ] . و بَعِيداً هنا كناية عن معنى الإحالة لأنهم لا يؤمنون بوقوع العذاب الموعود به ، ولكنهم عبروا عنه ببعيد تشكيكا للمؤمنين فقد حكى اللّه عنهم أنهم قالوا أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ [ ق : 3 ] . واستعمل قَرِيباً كناية عن تحقق الوقوع على طريق المشاكلة التقديرية والمبالغة في التحقق . وبين بَعِيداً و قَرِيباً محسن الطباق . [ 8 - 18 ] [ سورة المعارج ( 70 ) : الآيات 8 إلى 18 ] يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ ( 8 ) وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ ( 9 ) وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً ( 10 ) يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ ( 11 ) وَصاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ ( 12 ) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ ( 13 ) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنْجِيهِ ( 14 ) كَلاَّ إِنَّها لَظى ( 15 ) نَزَّاعَةً لِلشَّوى ( 16 ) تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى ( 17 ) وَجَمَعَ فَأَوْعى ( 18 ) يجوز أن يتعلق يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ بفعل تَعْرُجُ [ المعارج : 4 ] ، أو أن يتعلق ب يَوَدُّ الْمُجْرِمُ قدم عليه للاهتمام بذكر اليوم فيكون قوله : يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ ابتداء كلام ، والجملة المجعولة مبدأ كلام تجعل بدل اشتمال من جملة وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً لأن عدم المساءلة مسبب عن شدة الهول ، ومما يشتمل عليه ذلك أن يود المول لو يفتدي من ذلك العذاب . والمهل : درديّ الزيت . والمعنى : تشبيه السماء في انحلال أجزائها بالزيت ، وهذا كقوله في سورة الرحمن [ 37 ] فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ . والعهن : الصوف المصبوغ ، قيل المصبوغ مطلقا ، وقيل المصبوغ ألوانا مختلفة وهو الذي درج عليه الراغب والزمخشري ، قال زهير : كان فتات العهن في كل منزل * نزلن به حبّ الفنا لم يحطّم والفنا بالقصر : حب في البادية ، يقال له : عنب الثعلب ، وله ألوان بعضه أخضر وبعضه أصفر وبعضه أحمر . والعهنة : شجر بالبادية لها ورد أحمر .